مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

17

تفسير مقتنيات الدرر

عامّة الناس فيعلموا ما في القلوب أنّ هذا مؤمن وهذا منافق ولا يكون له تعالى أن يبيّن أنّ فلانا من أهل الجنّة وفلانا من أهل النار لعامّة الناس بل يكون يعرف هذا الأمر من الإطاعة والمعصية والامتحانات فأمّا معرفة ذلك على الاطَّلاع من الغيب فهو من خواصّ الأنبياء ولهذا قال : * ( [ وَلكِنَّ اللَّه َ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِه ِ مَنْ يَشاءُ ] ) * فخصّهم بإعلامهم أنّ هذا مؤمن وهذا منافق أو المعنى : ولكنّ اللَّه يجتبي من رسله من يشاء فيمتحن خلقه بالشرائع على أيديهم حتّى يتميّز الفريقان بالامتحان . ويمكن أن يكون المعنى : وما كان اللَّه ليجعلكم كلَّكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتّى تصيروا مستغنين عن الرسول بل اللَّه يخصّ من يشاء من عباده بالرسالة ثمّ يكلَّف الباقين طاعة هؤلاء الرسل . ثمّ قال سبحانه : * ( [ فَآمِنُوا بِاللَّه ِ وَرُسُلِه ِ ] ) * ولا تشكّوا في دين الإسلام * ( [ وَإِنْ تُؤْمِنُوا ] ) * حقّ الإيمان * ( [ وَتَتَّقُوا ] ) * النفاق [ فَلَكُمْ ] بمقابلة ذلك الإيمان والتقوى * ( [ أَجْرٌ عَظِيمٌ ] ) * لا يبلغ كنهه ، وهذا الأجر على قدر عظم التقوى فإنّ السير في مسلك التقوى يتهيّأ بقدمي التقوى إلى أن يبلغ السائر بمقام لا يصدر منه المباحات ويكون سعيه أن يجعل المباحات مستحبّات . قال إبراهيم بن أدهم : بتّ ليلة تحت صخرة بيت المقدس فلمّا كان بعض الليل رأيت في الرؤيا أنّه نزل ملكان فقال أحدهما : من هاهنا ؟ فقال الآخر : إبراهيم بن أدهم ، فقال : ذلك الَّذي حطَّ اللَّه درجة من درجاته ، فقال : لم ؟ قال : لأنّه اشترى بالبصرة التمر فوقعت تمرة على تمره من تمر البقّال فلم يردّها . قال إبراهيم : فمضيت إلى البصرة واشتريت التمر من ذلك الرجل وأوقعت تمرة على تمره ورجعت إلى بيت المقدس وبتّ في الصخرة فلمّا كان بعض الليل إذ أنا بملكين قد نزلا من السماء فقال أحدهما لصاحبه : من هنا ؟ فقال أحدهما : ذلَّك الَّذي ردّ التمرة إلى مكانها فرفعت درجته . فهذا هو التقوى على الحقيقة ولا يتيسّر مثل هذا المقام إلَّا بالتوسّل إلى اقتداء رسول اللَّه كما قال سبحانه : « وَابْتَغُوا إِلَيْه ِ الْوَسِيلَةَ » « 1 » فيا أخي لا تضيّع أيّامك فإنّ أيّامك رأس

--> ( 1 ) المائدة : 35 .